أدى التحول من التذاكر الورقية إلى تلك الأساور الذكية المزودة بتقنية RFID/ NFC إلى تغيير جذري في طريقة إدارة الأمن في المهرجانات هذه الأيام. ففي الماضي، كان الموظفون يتحققون يدويًّا من التذاكر الورقية، ما تسبب في انتظارٍ طويلٍ جدًّا عند البوابات — أحيانًا لأكثر من ٣٠ دقيقة خلال الفعاليات الكبرى. وبصراحة، كانت التذاكر المزيفة تُشكِّل مشكلةً كبيرةً أيضًا. ووفقًا لتقرير معايير أمن الفعاليات (Event Security Benchmark Report)، شكلت التذاكر الورقية المزورة نحو ١٢٪ من إجمالي حالات الاحتيال عند البوابات في عام ٢٠٢٣. أما الأساور الجديدة فهي مزوَّدة برقائق مدمجة لا يمكن التلاعب بها بسهولة، وتتحقق من صحة الدخول في أقل من نصف ثانية بفضل مفاتيح التشفير المتغيرة باستمرار والتي تُحدَّث كل ساعة. وهذا يعني أن أماكن مثل مهرجان «كوتشيلا» (Coachella) أصبحت قادرةً الآن على استيعاب حشودها الضخمة التي تضم أكثر من ١٢٥,٠٠٠ معجبٍ في غضون ثلاث ساعات فقط — وهو أمرٌ كان مستحيلًا تمامًا في السابق عندما كان الجميع يلوّح بالتذاكر الورقية.

لم تعد الأساور الحديثة مجرد بطاقات تعريف فحسب، بل أصبحت أنظمة أمنية حقيقية تعمل في الخلفية بطبقات متعددة من الحماية تُفعَّل في الوقت الفعلي. وعند مسحها ضوئيًّا، يتم التحقق منها فورًا تقريبًا من نظام مركزي يكشف على الفور أي مشكلات مثل البطاقات المنتهية صلاحيتها أو النسخ المزورة أو ظهور أشخاص في أماكن لا يسمح لهم بالدخول إليها. فما السبب في كفاءتها العالية في منع الاحتيال؟ حسنًا، هناك حبر خاص يتحول إلى اللون الأحمر ويظهر عبارة «باطل» إذا حاول شخص ما نزع السوار. كما أن رموز الأمان الخاصة بها تتجدد تلقائيًّا كل ساعة. بالإضافة إلى ذلك، تُغلَق مناطق معينة—مثل منطقة الكواليس—باستخدام تقنية تتبع المواقع. والأرقام تتحدث عن نفسها أيضًا: ففي المهرجانات الموسيقية الكبرى التي أُقيمت في أوروبا العام الماضي، أدَّت هذه الأساور الذكية إلى خفض حوادث التذاكر المزورة إلى ما يقرب من الصفر. وقبل ظهور هذه التقنية، كانت الفعاليات تخسر سنويًّا نحو سبعمئة وأربعين ألف دولار أمريكي بسبب الاحتيال، وفقًا لبحث أجرته مؤسسة بونيمون. وبالتالي فإن التحقق الفوري لم يعد يتعلَّق بالسلامة فقط، بل أصبح أمرًا جوهريًّا للحفاظ على الأموال في الجيوب الصحيحة.
إن أسور المهرجانات هذه تحوّل النقود فعليًّا إلى رموز رقمية مباشرةً على السوار نفسه، ما يجعل عمليات الشراء الصغيرة في أكشاك الطعام وأكشاك البضائع أسرع بكثير من المعاملات النقدية العادية. وقد وجدت مؤتمر تقنيات الفعاليات ٢٠٢٣ أن البائعين يستطيعون معالجة المدفوعات بسرعة تقارب نصف الوقت المطلوب عند استخدام هذه الأساور مقارنةً بعدّ الأوراق النقدية. ومن المزايا الكبيرة الأخرى أنها تلغي الحاجة إلى تسليم المال وجهاً لوجه، وهي ميزة بالغة الأهمية في الفعاليات المزدحمة التي ينتشر فيها الجراثيم بسهولة. كما يُتبع النظام تلقائيًّا المبيعات في جميع أنحاء موقع الفعالية. وتشير تقرير إدارة المهرجانات لعام ٢٠٢٢ إلى أن هذا الأمر يقلل الأخطاء في الدفاتر المحاسبية بنسبة تصل إلى ٣٠٪ تقريبًا. ويحصل البائعون على تقارير مبيعاتهم فور انتهاء الفعالية، بينما يكتفي الجمهور بالنقر فقط للدفع دون الحاجة إلى البحث في جيوبهم عن فضلات نقدية أو التعامل مع تطبيقات الهواتف الذكية أثناء العرض.
لقد انتقلت معظم المهرجانات الموسيقية الكبرى في جميع أنحاء الولايات المتحدة حاليًّا إلى الأنظمة غير النقدية. ووفقًا لتقرير «إيفنت إم بي» (EventMB) الأخير لعام ٢٠٢٣، فإن نحو ٧٤٪ من الفعاليات الكبرى تعتمد الآن هذا النهج. فلماذا؟ إن الأرقام تروي القصة بوضوحٍ شديد. فعندما لا يضطر الأشخاص إلى عد النقود الورقية، فإنهم يميلون إلى الإنفاق أكثر في المهرجانات. وتُظهر الدراسات أن الإنفاق يزداد بنسبة تتراوح بين ٢٠٪ و٣٥٪. ويحدث ذلك لأن مقاومة الدفع الرقمي الذهنية تكون أقل، وبالتالي يشتري الأشخاص السلع بشكل عفوي وبسهولة أكبر. علاوةً على ذلك، توفر الجهة المنظِّمة المال أيضًا. فالتخلّص من جميع رسوم التعامل النقدي، ونقل الأموال عبر مركبات مدرعة، وتوظيف طاقم عمل لعد الأوراق النقدية يؤدي إلى خفض التكاليف بنسبة تقارب ١٥٪، وفقًا لمجلة «اقتصاديات المهرجانات» (Festival Economics Journal) الصادرة العام الماضي. ولذلك فمن المنطقي جدًّا أن يرى العديد من مخططي الفعاليات أن التحوُّل إلى النظام غير النقدي أمرٌ جوهريٌّ إذا أرادوا أن يظلَّ مهرجانهم مربحًا على المدى الطويل.
إن المواد التي نختارها تُحدث فرقًا كبيرًا في أداء الأشياء، وفي انطباعات الناس عنها، وفي أثرها البيئي. فمادة «تايفك» المقاومة للتمزق مناسبة جدًّا للاستخدام المؤقت، وتسمح بمرور إشارات تقنيتي التعرف على الهوية الراديوي (RFID) والاتصال قريب المدى (NFC) عبرها باستمرار. أما الأقمشة المصنوعة من زجاجات بلاستيكية معاد تدويرها فهي تقلل من كمية النفايات المُرسلة إلى المدافن بنسبة تصل إلى ٤٠٪ مقارنةً بالفينيل العادي، وفقًا لبحث أجرته شركة «إيفينت تك» العام الماضي. ويمكن إعادة استخدام الأساور السيليكونية في المهرجانات التي تمتد لعدة سنوات، رغم أن تحديد السماكة المناسبة أمرٌ بالغ الأهمية إذا أردنا أن تعمل عمليات المسح الإلكتروني بدقة عالية في نحو ٩٨ مرة من أصل ١٠٠ مرة. وقد أظهرت استبيانات حديثة أن معظم الحضور في الفعاليات يهتمون اليوم بالاستدامة أيضًا. فعلى سبيل المثال، كشف استطلاع أجرته مجلة «ميشيغان ماما نيوز» أن ما يقرب من سبعة من أصل عشرة أشخاص يُفضِّلون فعليًّا الفعاليات التي تستخدم أسوارًا معصوبة للرسغ صديقة للبيئة. وقد أدى ذلك إلى قيام العديد من المنظمين بالتحول إلى مشابك مصنوعة من الخيزران وحبات قابلة للتحلُّل الحيوي كزخارف، مع ضمان استمرار كفاءتها في العمل مع أجهزة المسح الإلكتروني عبر الطيف الكامل.
عندما يتعلق الأمر بأساور الفعاليات، فإن الأمن لا يمكن أن يُحقَّق دون أن تكون الراحة جزءًا لا يتجزأ من المعادلة أيضًا. ووفقًا لبيانات «فستيفال إنسايتس» (Festival Insights) الصادرة العام الماضي، سجَّلت المهرجانات التي نفَّذت طبقات أمنية متعددة انخفاضًا هائلًا بنسبة 75% في عدد التذاكر المزيفة. وتتضمن التقنيات المستخدمة أشياء مثل الهولوغرامات المطبوعة على أسطح الأساور، وأنظمة الإغلاق التي تُظهر ما إذا كان شخصٌ ما قد عرَّضها للتلاعب، والتوقيعات الرقمية المخفية داخل كل سوار. أما بالنسبة للأشخاص الذين يرتدون هذه الأساور طوال اليوم، فإن الراحة تكتسب أهميةً مماثلةً تمامًا. فمواد مثل نسيج التايفك (Tyvek) المسموح بمرور الهواء، وتلك المواد الخاصة الماصة للرطوبة، تقلِّل فعليًّا من مشكلات الجلد بعد ساعات طويلة من الارتداء. ولا ينبغي أن ننسى كذلك مواد السيليكون الطبية الدرجة التي لا تُهيِّج معظم أنواع البشرة، مما يجعل هذه الأساور مناسبةً لشريحة أوسع من الناس. وفي الوقت الحاضر، يولي كبار مصنِّعي هذه الأساور اهتمامًا حقيقيًّا لكيفية تناسقها مع أحجام وأشكال المعاصم المختلفة. فقد صمَّموا حوافًا مُقوَّسة وشرائط قابلة للضبط تعمل فعليًّا بكفاءة. ويؤدي هذا النهج إلى خفض محاولات إزالة الأساور أو استبدالها بشكل غير قانوني بنسبة تصل إلى نحو ثلثين. وفي نهاية المطاف، عندما يشعر الحضور بالراحة أثناء ارتداء أساورهم، تتحوَّل هذه الأساور إلى عنصرٍ يثق به الناس ويريدون الاحتفاظ به طوال تجربة المهرجان بأكملها.
تُظهر المهرجانات حول العالم إلى أي مدى يمكن للأساور أن تُحدث فرقًا كبيرًا عندما تُستخدم في أغراض مفيدة. فعلى سبيل المثال، أدى الإدخال التدريجي لأساور تقنية التعرف بالترددات الراديوية (RFID) في مهرجان «بونارو» إلى خفض أوقات الانتظار عند المداخل بنسبة تقارب ٤٠٪، كما وفّر للمُنظِّمين رؤى فورية حول أماكن تجمُّع الحشود طوال اليوم. وقد ساعد هذا النهج التدريجي في ضمان سير عملية التنفيذ بسلاسة تامة. أما في النمسا، فقد أدّى إضافة ميزة الدفع مباشرةً على الأساور في مهرجان «إلكتريك لوف» إلى ازدياد ملحوظ في مبيعات الأطعمة أيضًا؛ إذ أنفق الحاضرون ما يقارب ٢٢٪ أكثر على الوجبات الخفيفة والمشروبات بعد أن تخلّوا عن التعامل النقدي تمامًا. ثم هناك مهرجان «بارادييس» الذي نفّذ مشروعه الخاص بالأساور الصديقة للبيئة المصنوعة من مواد نباتية، مع توفير معلومات واضحة وشفافة حول مصدر هذه المواد. ونتيجة لذلك، حسّن الحاضرون تقييم تجربتهم بشكلٍ ملحوظ بعد هذا التغيير، حيث ارتفعت درجاتهم التقييمية العامة بمقدار ١٨ نقطة. وبتحليل هذه الأمثلة، يتضح جليًّا ثلاثة أمور رئيسية: أولًا، لا بد من إدخال التقنيات تدريجيًّا قطعةً قطعةً بدلًا من تنفيذها دفعة واحدة؛ ثانيًا، يجب أن تكون الأنظمة الداعمة قادرةً على معالجة أحجام هائلة من المعاملات بسرعةٍ فائقة؛ ثالثًا، تكتسب المواد المستخدمة أهمية كبيرة، لكن دون أن تُهدِّد دقة عمليات المسح الضوئي. وللمخططين الذين يفكّرون في المستقبل، فإن اللجوء إلى المنصات المبنية على واجهات برمجة التطبيقات (APIs) يُعد خيارًا منطقيًّا، لأنها تجمع بين عمليات التحقق من الدخول، والدفع، وآليات تفاعل الجمهور، كل ذلك تحت سقفٍ واحدٍ قابلٍ للتوسّع حسب الحاجة.